صابر أبو سليمان

15

اضواء البيان في تاريخ القرآن

إذعان العرب عاجزين ، أو انقيادهم مختارين إلى تلك العظمة القرآنية التي تفوق مقاييس العظمة الأسلوبية المتعارفة آنذاك وكانت ناقة صالح ، وعصا موسى وبقية آياته التسع ، وإحياء الموتى على يد عيسى عليه السلام آيات مؤيدات لبيان اللسان وحجة العقل وتحديا صارخا لأهل العناد بأن قوة عظمى تحكم الكون غير قوة المادة « 1 » . كما تحدى موسى سحر قومه بعصاه ، وعيسى طب عصره بإحياء الموتى وآمن الكثيرون حينما تأملوا وتدبروا وعاينوا المعجزة بالقلوب . فالإعجاز على أي حال هو - وسيلة إيمان لمن هداه اللّه ووسيلة إضلال لمن أضله اللّه . من هنا كان وجه من وجوه عظمة القرآن هو : أن يجمع بين البيان والإعجاز فلا تكون الآية الدالة على صدق الرسول منفصلة عن البيان كما كان ذلك في رسالة موسى وعيسى عليهما السلام . إذ كانت آيات موسى التسع ، وإحياء المسيح للموتى شيئا منفصلا تماما عن صلب التوراة والإنجيل . أما القرآن العظيم فلما كان مصدقا للتوراة والإنجيل ومهيمنا عليهما ، وجامعا لحقائقهما . فقد اجتمع في صلبه البلاغ المبين والإعجاز القائم مدى الدهر ، وما ذاك إلّا لأنه كتاب لم ينزل لهداية العرب خاصة وإنما نزل لهداية البشرية كلها في عصر الرسول وبعد عصره وإلى أن تقوم الساعة . فلو انفصلت آية صدق الرسول عن نفس القرآن كما حدث في الرسالات السابقة فمن ذا الذي كان يأتي الناس بهذه الآية التي هي المعجزة بمعناها الاصطلاحي الآن ؟ يعني أنه إذا ارتاب قوم في صدق النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، في عصرنا الحاضر فمن أين نأتي بالرسول ليطالبوه بمعجزة مادية تدل على صدقه ؟ ولهذا كان القرآن نفسه بيانا ومعجزة في آن واحد ولم تكن مادة إعجازه شيئا واحدا بحيث لا تلائم إلّا عصرا واحدا ، أو مجموعة من الأجيال بأعينها

--> ( 1 ) نفس المصدر السابق .